قصص من مجموعة ( الأشياء)
كتبهاظافر ناجي ، في 25 نوفمبر 2006 الساعة: 14:31 م
الأشـيــاء… قصص و نصوص
ظافر ناجي
© جميع حقوق الطبعة محفوظة للمؤلّف
مع هذا الذي يقع ، كيف سيصبح العالم ؟
أو بالأحرى ماذا سنصبح نحن ؟
و ماذا ستصبح أشياؤنا الصّغيرة ؟
الأرجح أنّنا نحن سنصير أشياء صغيرة
أو دمى
الـمـؤلّـف
وردة الرّوح
يذكر محمّد بن عبد الغفّار أنّ أقصى أمنياته حين كان صغيرا كانت أن يركب الطّائرة و يحلّق نحو الأعلى و يضيع في السّماء الصّافية الزّرقاء رغم أنّه بعد ذلك بزمن أي حين كبر و خبر الدّنيا عرف أنّ السّماء ليست دائما صافية و لا زرقاء ..
– و كان ذلك منذ زمن بعيد- اكتشف أنّه بقي أمرد و أنّه سيواصل ما بقي من عمره دون شعر شارب و لا لحية ، و رغما على ذلك أخذته رغبة جامحة في أن يعيش ليرى نفسه في الثّلاثين و قد صار موظّفا يلج مكتبه مرتديا بذلة زرقاء داكنة– لم يكن يتصوّر موظّفا يلبس غير ذلك اللّون – و يذهب في نهاية كلّ شهر إلى البنك ليسحب جرايته و يعود ككلّ موظّفي العالم فرحا مسرورا
حين بلغ العاشرة كانت أقصى أمانيه أن يعيش و يستمتع بالعشرين و يرى نفسه في المرآة بشارب كثّ يغطّي أعلى شفته العليا ، و حين وصلها
و مرّة أخرى شاءت الأقدار أن تلبّي نصف أمنيته تلك فقط ، فاجتاز عتبة الثلاثين لكنّه ظلّ أمرد و عاطلا عن العمل و لم يصبح موظّفا و لا هو ذهب في نهاية الشّهر إلى البنك و لا سحب في حياته جراية و لا حتّى لبس بذلة زرقاء ..
و رغم كلّ تلك الإحباطات المتتالية فقد غلبه حبّه للحياة فوجد نفسه رافضا أن يتصوّر أنّه يموت قبل الأربعين سنّ الأنبياء و اعتبر أنّ مسألة الشّارب و الوظيفة و الجراية و البذلة الزّرقاء مسائل ثانويّة مقارنة بالحياة ، و هكذا ، بفعل تكراره لنفس الكلام، صار الحديث في تلك التفاصيل تافها في نظره و وجد نفسه يردّد شعار جدّته – من جهة الوالد – التي توفّيت في العاشرة بعد المائة و التي كانت تكرّر كلّما أحسّت بأحد أعضاء بدنها قد ضمر أو ضعف " الحمد لله على النّفس و هو يدخل و يخرج "..
هكذا وجد أحمد نفسه رافعا شعار جدّته كلّما خابت له أمنية مع أنّه واصل في كلّ عشريّة أن يتمنّى العيش إلى التي بعدها بيْد أنّ الأعوام كانت تمرّ عليه و لم يحقّق شيئا يذكر من أمنياته تلك سوى أنّه في كلّ عام كان يضيف عاما إلى الرّقم الذي صرّح به في السّنة الماضية مجيبا بذلك عن سؤال "كم بلغت من العمر ؟ "
فيما عدا ذلك لا شيء كان يحدث على مرور الأعوام فلا شارب و لا وظيفة و لا جراية و لا بذلة زرقاء أنيقة و لا زوجة و لا أبناء ….
شيء وحيد فقط كان يتغيّر ، هو تلك الشّمعة التي كانت تنضاف مع كلّ عيد ميلاد جديد ، و مسألة عيد الميلاد و الاحتفال به كانت لدى صاحبنا قضيّة حياة أو موت باعتبار ارتباطها بمسألة العمر التي كانت هاجسه الأكبر على امتداد حياته خاصّة و أنّه لم يحقّق من أمانيه سوى تجاوز العام بعد العام و اجتياز العشريّة تلو الأخرى و حلمه الأكبر في ذلك أن يحطّم الرّقم القياسيّ في طول الحياة بين أفراد العائلة الذي كانت تملكه إلى حدّ ذلك الزّمن جدّته من جهة الأب التي عاشت أعوامها المائة و عشرة مردّدة شعارها المشهور " الحمد لله على النّفس و هو يدخل و يخرج ..".
حين بلغ عشريّة السّبعين ، اكتشف أنّ أيْره لم يعد قادرا على الوقوف إجلالا عند مرأى النّساء و مع ذلك لم يقلق أحمد من الأمر و عدّه أمرا عاديّا رغما على التّحوّل الجذريّ في وظائف هذا الجهاز البشريّ العجيب الذي كان على امتداد عديد السّنوات متعدّد الاختصاصات و انتهى في ذاك العمر مكتفيا بوظيفة التّبوّل ..
و رغم أنّ أحمد منذ بلغ الحادية عشرة من عمره عرف للجهاز المذكور وظيفة أخرى فإنّه لم يستعمله في حياته أبدا ذلك الاستعمال الذي يجول الآن في ذهن القارئ سيّء النيّة إلاّ في حالات نادرة جدّا قد نعود إليها إن وجدنا لذلك مبرّرا .. لذلك اعتبر هذا الخلل أمرا عاديّا لا يستوجب وقفة طويلة أو مراجعة الطّبيب ، و في المقابل اكتفى بترديد قولته الشّهيرة عن جدّته العزيزة " الحمد لله على النّفس و هو يدخل و يخرج .. " .
كان يكرّر الشّعار دون اقتناع بل الأرجح أنّه كان يردّده على سبيل مداعبة أفراد العائلة مذكّرا إيّاهم بالجدّة التي توصّلت بقدرة قادر إلى تجاوز إحدى عشرة عشريّة ورفضت أن تموت إلاّ بعد أن تجاوزت القرن …
و لم يكن يعلم أنّه سيصاب بعاهة في ساقيه حين يبلغ المائة عام بالضّبط على إثر حادث مرور جدّ أمام محلّ لبيع المرطّبات كان أحمد خارجا منه حاملا قطعة مرطّبات كبيرة جدّا تليق بعيد ميلاده المائة أو بمائويّته كما ظلّ هو يردّد لاحقا …
كان كبر حجم الكعكة قد حجب رؤيته إضافة إلى بصره الذي ضعف بسبب طول عمره ، لذلك لم يتمكّن من رؤية سيّارة تأتي مسرعة و لم يفق إلاّ و هو في المستشفى ممدّدا على سرير أبيض و إحدى ساقيه معلّقة إلى السّقف في حين كانت الأخرى مبتورة من الرّكبة…
حين فتح عينيه وجد أبناء إخوته و أخواته و الممرّضين و الطّبيب متحلّقين حوله و قد وضعوا على الطّاولة قطعة مرطّبات جديدة غرست عليها مائة شمعة بتمامها و كمالها .. نظر إليهم و إلى قطعة المرطّبات مندهشا و قد استردّ وعيه ، هاله أن يرى ساقه المبتورة فصَمَتَ برهة لكن سرعان ما عاد الصّفاء إلى وجهه و تذكّر أنّ المهمّ بالنّسبة إليه أن يتجاوز الإحدى عشرة عشريّة التي عاشتها جدّته التي ظلّت تبعا لذلك محافظة على الرّقم القياسيّ في طول العمر بين أفراد العائلة فالتفت إلى الطّبيب سائلا إيّاه " هل سأعيش يا دكتور؟ " .
و بالطّبع طمأنه الدّكتور على حياته رغم أنّه أشار إليه بأنّه سيواصل الحياة معاقا و لن يكون قادرا على استعمال ساقيه بعد اليوم … و قد تفهّم أحمد الأمر و تقبّله بقنوط و صبر شديديْن مقنعا نفسه بأنّ المدينة لم تعد تستهويه كي يتجوّل فيها على قدميه مثلما كان يفعل منذ عقود طويلة ..
لذلك ، و رغم التّصريح الخطير للدّكتور فقد ابتسم أحمد و قال كلمته الشّهيرة " الحمد لله على النّفس و هو يدخل و يخرج .." و التفت إلى أفراد عائلته داعيا إيّاهم إلى إشعال الشّموع المائة احتفالا بمزيد من الحياة ..
و تواصلت حياة أحمد لاحقا على امتداد تسع سنوات و ثلاثمائة و أربعة و ستّين يوما و رغم إعاقته فقد ظلّ وفيّا لأمنياته بأن يطول عمره عاما بعد عام ، و كان اليوم الرّابع و الستّون الموافق للثّلاثين من ديسمبر هو اليوم الفاصل …
في اللّيل ، تمدّد أحمد على فراشه و ظلّ يحدّق في الظّلام مفكّرا في حياته التي امتدّت على إحدى عشرة عشريّة بتمامها و كمالها ، فرح في البدء بأنّه تمكّن من اختراق السنوات و العشريّات ، بل تمكّن من تجاوز قرن كامل متسلّحا بالتّمنّي فقط لكن سرعان ما انقبض قلبه و قد تذكّر أنّه لم يدخل في حياته مدرسة كما أنّه عاش حياته بدون شارب كثّ يغطّي أعلى شفته العليا ، و لم يصبح في يوم من الأيّام موظّفا يلج مكتبه مرتديا بذلة زرقاء داكنة و لا هو ذهب في نهاية كلّ شهر إلى البنك ليسحب جرايته و يعود ككلّ موظّفي العالم فرحا مسرورا، و لم يتزوّج و لا هو أنجب أبناء زنى ..
استوى على حافّة الفراش و أنار الغرفة ببصيص الضّوء المنبعث من النوّاسة .. رفع رأسه شيئا فشيئا إلى أن وجد نفسه في مواجهة المرآة ..
نظر إلى رأسه و فكّر ، هل يعقل أنّني لم أدخل مدرسة في حياتي .. ما الذي أفعله بهذا الرّأس الفارغ الذي صحبني طيلة حياتي و لم يكن فيه غير أمنية واحدة تنتابني في نهاية كلّ سنة وهي أن أعيش سنة أخرى .. حتّى الوجه لم ينبت فيه شارب ..
مرّ ببصره نحو الأسفل و توقّف عند صدره فهاله أن ينتهي ضيّقا بهذه الشّاكلة بعد أن كان محسودا على عرضه .. ما معنى هذا الصّدر الذي خلا من كلّ عاطفة و حبّ و لم ينشغل طيلة الإحدى عشرة عشريّة بغير تمنّي مزيد من الحياة ..
تجاوز أحمد الصّدر إلى البطن .. و فكّر .. لم أتلذّذ في حياتي بمذاق شيء غير قطع المرطّبات التي كنت آكلها في أعياد ميلادي ..
تحت البطن بقليل ، جحظت عيناه و قد تذكّر أنّه لم يضاجع امرأة منذ ستّين سنة أي عشر سنوات قبل أن يحتفل بعيد ميلاده السّبعين الذي اكتشف خلاله أنّ ذاك العضو الذي كان من المفترض أن يقوم بوظيفتين قد تعطّلت لديه وظيفة و اقتصر أداؤه على البول ..
حين وصل أحمد إلى هذا الأمر أحسّ بالغثيان و بالحرقة في حلقه و مع ذلك واصل النّظر في المرآة إلى أعضائه ..
نحو الأسفل رأى ساقه المبتورة فتذكّر أنّه منذ عشر سنوات لم يمش و لم يتمكّن من رصد ما يطرأ على المدينة من تغييرات و تحوّلات و ظلّ على امتداد العشريّة الأخيرة مسكونا بهاجس تجاوز الرّقم القياسيّ لطول الحياة في العائلة و الذي سيتحقّق غدا بعد أن يكون أحمد قد فاق جدّته التي توفّيت يوم بلغت المائة و عشر سنوات ..
و من غريب الصّدف أنّه سيتمكّن من الانتصار على جدّته في طول العمر مستعملا في هذه المنافسة الغريبة نفس سلاحها أي شعارها الشّهير" الحمد لله على النّفس و هو يدخل و يخرج ..".
هنا أخذته موجة غضب شديدة ، " هل ظللت طيلة هذه العقود أحيا فقط لأحيا ؟ أيّة حياة هذه ؟ .."
و ظلّ كذلك و قد أخذه الغضب من نفسه كلّ مأخذ، و في الصّباح دخل أبناء أخواته و إخوته و أبناؤهم إلى غرفته فرحين وقد قرّروا تنظيم احتفال هائل بتحطيم خالهم أو عمّهم – بحسب العلاقة – للرّقم القياسيّ في طول العمر ..
حادثة في طائرة ..
يذكر إلى الآن بكلّ التّفاصيل و الجزئيّات صورة أوّل طائرة رآها في كتاب القراءة حين كان يدرس في الأقسام الابتدائيّة بمدرسة معلّقة على جانب الجبل في أحد الأرياف .. كانت تشبه العصفور بجناحيها المفتوحين و شكلها الخارجيّ، لكنّها كانت بلا منقار و لا ريش و مع ذلك كانت تطير ..
يذكر محمّد بن عبد الغفّار أنّ تعجّبه ازداد أكثر و انفتح فوه حين قال المعلّم أنّ حجم الطّائرة قد يكون أكبر من المدرسة و أنّها مصنوعة من الحديد إذ لم يكن أحمد أو أحد من الصّغار الذين درسوا معه قادرا على تصوّر قطعة من الحديد تزن أطنانا تستطيع الإقلاع من الأرض و الطيران بكلّ حريّة في السّماء الزّرقاء الصّافية.. كان يتساءل عن القوّة التي يمكن لها رفع كلّ ذاك الجسم نحو الأعلى …
و كان من المنطقيّ أن يطرد محمّد عبد الغفّار من المدرسة لعدم قدرته على التّجريد إذ لم يكن قادرا على تخيّل الأشياء التي لم يرها ، لذلك لم يصدّق شيئا من كتب القراءة ، و ما دام لم يستطع تصديقها لم يتمكّن من حفظها و تبعا لعدم حفظها رسب في السّنة الثّالثة مرّتين فأطرد من المدرسة و ما زال إلى الآن غير قادر على فهم أسباب طرده فكثيرا ما وجد نفسه يفكّر في ما جرى له في الامتحانات ..
مرّة سأله المعلّم أثناء اجتيازه لامتحان شفويّ في مادّة الوسط الحيّ : " حين نقوم في الصّباح ما هو أوّل شيء يجب أن نقوم به ؟ " ، و طبعا أجابه محمّد إجابات متعدّدة منها أن يشرب كأس حليب و منها أن يلبس ميدعته ليذهب إلى المدرسة و منها أن يسرع إلى قنّ الدّجاج ليجمع البيضات قبل أن ترفسها الدّجاجات .. و مع كلّ إجابة كان المعلّم ينظر إليه باستغراب مستنكرا منه عدم توفّقه للإجابة الصحيحة ممّا كان يضطرّه إلى الإسراع بذكر إجابة أخرى لم تكن هي بدورها موفّقة أكثر من سابقتها .. و حين قال له المعلّم أنّ أوّل شيء يقوم به الإنسان حين يستيقظ صباحا هو أن ينظّف فمه بمعجون الأسنان ، تعجّب محمّد و التفت إلى بقيّة التلاميذ الذين سارعوا بالنّظر نحو الأسفل خوفا من أن يعتبرهم المعلّم أغبياء متعاطفين معه ..
تعجّب محمّد من الجواب رغم أنّه يعرفه و قال للمعلّم إنّ السّؤال لم يكن " ماذا يفعل النّاس في كتب القراءة حين يستيقظون ؟ " فالنّاس حسب رأيه هم الذين يعرفهم – و هو منهم بالطّبع – و هؤلاء لم ير أحدا منهم في حياته يستعمل مثل تلك المادّة التي حدّثهم عنها المعلّم و بالتّالي فإنّ معجون الأسنان مادّة تدرّس في الكتب و غير موجودة في الواقع و لم يستعملها أبدا و لا رآها في حياته و لم يسمع بأنّ ابن عمّ له أو أحد أبناء حيّه الذين تربّى معهم استعمله ..
هنا استشاط المعلّم غضبا لم يفهم محمّد عبد الغفّار سببه ، وأمره باستدعاء وليّ أمره الذي جاء و قابل المعلّم و المدير و المتفقّد الذي كان مارّا من هناك بالصّدفة و المدرّسة الجديدة التي التحقت هذه السّنة بالمدرسة ، و أجمعوا كلّهم على غباء محمّد بل و أكثر من ذلك على سوء سلوكه فكان من المنطقيّ أن يعود أحمد عبد الغفّار إلى ابنه الصّغير محمّدا و يعاقبه عقابا شديدا ملائما لجنس ما فعله.
و مرّة سأله المعلّم في مادّة الجغرافيا و كانوا يدرسون الفصول : " كيف تعرف أنّك في فصل الرّبيع ؟" و بغبائه المعتاد لم يتمكّن محمّد عبد الغفّار من الإجابة عن هذا السّؤال البسيط أيضا رغم أنّه سهل جدّا كما ذكر المعلّم إذ يعرف الرّبيع بانتشار الزّهور و تكاثر الفراشات و زقزقة العصافير ..
و في تلك المرّة أيضا تطاول التّلميذ محمّد عبد الغفّار و عقّب على كلام المعلّم بأنّ أبناء منطقته – و هو طبعا لا يشذّ عن القاعدة – يعرفون فصل الرّبيع بالزّوابع الرّمليّة و باللّبن الذي تتزايد درجة حموضته .. و كانت نتيجة تطاول الطّفل أن استدعي والده الذي عاقبه عقابا أشدّ من الأوّل رغم أنّه حين انتهى من ضربه سأل ابنه بكلّ عفويّة " لكن ما معنى فراشات " ففسّر محمّد الإبن لأحمد عبد الغفّار الأب أنّها شيء صغير ملوّن يطير بين الزّهور فحرّك الأب رأسه يمنة و يسرة تعجّبا من ابنه و قال له و هو يصفعه " لماذا لم تقل للمعلّم إنّه طائر الحسّون يا غبيّ ؟ "
في الأثناء أصيب الطّفل بمشكلة عويصة لم يتمكّن الأطبّاء من مداواتها .. فكلّما سأله معلّم سؤالا أحسّ بأمعائه تتقطّع و شعر بالحاجة إلى مغادرة القسم جريا نحو المراحيض لقضاء حاجة بشريّة غالبا ما يكتشف لاحقا أنّها كانت حاجة وهميّة إذ ما إن يغادر القسم و يبتعد شبح المعلّم حتّى يبتعد الإحساس بألم الأمعاء و سرعان ما يعود إلى حالته الطّبيعيّة ..
و رغم خروجه من المدرسة ، أو الأصحّ طرده منها ، فقد بقيت تلك العادة و ذلك الإحساس ملازميْن له كلّما أحسّ أنّه يُمتحن ..
هكذا تواصلت سنوات دراسة محمّد عبد الغفّار غباءً أو ما يشبهه و عقوباتٍ لم يكن يفهم أسبابها ، و لم تمض مدّة حتّى وجد نفسه خارج أسوار المدرسة يرعى الأغنام مع والده بعد أن أطرد شرّ طردة و بإجماع غير مسبوق من المعلّمين القدامى و المدرّسة الجديدة و المدير و المتفقّد ..
بعد ذلك بأكثر من عشرين سنة مات فيها من مات و وُلِد من وُلِد تغيّرت أحوال محمّد عبد الغفّار و تبدّلت أوضاعه نحو الأفضل و فتح الله عليه بالمال و الأعمال رغم أنّه لم يدخل معهدا ثانويّا و لا تعلّم لغة غير تلك الجمل البسيطة و الرّكيكة بالعربيّة التي حفظها قبل أن يُطرد من المدرسة .
و من التّغييرات التي لحقت به أنّه لم يعد أحد يتجرّأ على مناداته دون أن يقرن اسمه بلفظة " سي " فقد صار رجل أعمال معروف ، انطلقت أعماله بتجارة الأغنام في منطقته ثمّ كبرت فأصبح يتعامل مع كلّ من له علاقة بميدان الأغنام و الجلود في كامل البلاد و شيئا فشيئا ، و بقدرة قادر ، تمكّن من السّيطرة على كامل السّوق المحليّة ليصبح بعدها أحد أهمّ مصدّري الجلود في القارّة الإفريقيّة ..
كانت تلك أولى رحلاته إلى الخارج ، و لأنّها الأولى فقد ظلّ يذكرها بكلّ تفاصيلها .. كان ذلك في العاشر من أكتوبر سنة 2001 أي بعد شهر واحد من تلك الأحداث العجيبة .. كان ذاهبا لإمضاء عقد مهمّ جدّا في واشنطن ، و نظرا لعدم قدرته على القراءة و الكتابة فقد أوصله أحد أعضاده إلى المطار و عمّر كلّ الأوراق و لم يتركه إلاّ و هو يتّجه نحو الحافلة التي ستوصله إلى مدارج الطّائرة و طمأنه بأنّه سيجد في انتظاره ممثّل الشّركة في واشنطن الذي سيقوم أيضا بدور المرافق و المترجم و هو ما خفّف قليلا من حالة التّوتّر التي أخذت بعقل محمّد عبد الغفّار و هو يتخيّل نفسه غريبا في أمريكا التي لا يعرف أهلها و لا يستطيع أن يحادثهم بلغتهم ..
حين اقتربت الحافلة من الطّائرة عادت ذاكرة محمّد به إلى زمن طويل حين كان ينظر إلى صورة الطّائرة مرسومة في كتاب القراءة متعجّبا من كوم الحديد الذي يطير أو من هذا الطّائر الضّخم الذي – خلافا لكلّ الطّيور - لا يمتلك منقارا و لا ريشا .. كان الركّاب يسرعون في الالتحاق بالطّائرة في حين ظلّ هو ساهما في ضخامتها شاعرا بالرّهبة من تخيّل أنّه سيكون بعد دقائق في أحشائها و هي تحلّق به بين السّحب العابرة والسّماء الصّافية الزّرقاء ..
أحسّ بتوتّر ما في أمعائه ذكّره بالتّوتّر الذي كان يصيبه في كلّ مرّة يكون فيها في حضرة المعلّم الذي يسأله أو يمتحنه حيث كان يحسّ بأمعائه تتقطّع و برغبة شديدة في التّبوّل لم يكن قادرا على مقاومتها ، بل إنّه في مرّات عديدة كان يحسّ ببعض القطرات تخرج منه دون إرادته ممّا كان يفرض عليه أن يظلّ واضعا محفظته أمامه حتّى لا يضحك زملاؤه منه و هم يرون تلك المنطقة الصّغيرة من سرواله و قد أصابها النّدى ..
أفاق أحمد عبد الغفّار من ذكرياته على يد أحد عمّال المطار تهزّه موقظة إيّاه .. استحثّه الرّجل على الإسراع بالصّعود إلى الطّائرة التي لم يبق على إقلاعها إلاّ زمن قصير جدّا فقام جريا نازلا من الحافلة مسرعا نحو أدراج الطّائرة و هو يمسك بحافظة أوراق فيها جواز سفره .. صعد الأدراج و اقترب من الباب ..
حين ولج باب طائرة " الجمبو " العملاقة أحسّ بأنّه يدخل جوف حيوان أسطوريّ فأصيب بالرّهبة و أخذته آلام المعدة و انقباض الأمعاء التي عهدها أيّام طفولته كلّما وجد نفسه في وضعيّة الممتحن ..
استقبلته امرأة ذات ملامح أوروبيّة في الثّلاثين من عمرها تقريبا مبتسمة و مدّت يدها مشيرة إلى كرسيّ ما فخفّفت عليه باستقبالها ذاك هواجسه السّوداويـّة فمضى نحو الكرسيّ و اتخذ مكانه القريب من النّافذة بأكثر ثقة رغم أنّ المسؤولين عن حماية الطّائرة كانوا يدقّقون النّظر فيه – و في الحقيقة في كلّ الركّاب خاصّة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر - ممّا أعاد إليه حالة الخوف و الاضطراب فبقي يحاول الهروب منها و من بقايا الشّّكوك التي يحملها في داخله ضدّ هذا الطّائر المعدنيّ الضّخم الذي ظلّ يثير الصّور المخيفة التي تأخذ بعقله ..
تشاغل بالإطلال على أرضيّة المطار الإسفلتيّة و بعض الشّجيرات المتناثرة دون نظام على أطرافه البعيدة .. لكنّه سرعان ما عاد إلى وضعيّة القلق عندما بدأت المحرّكات في الاشتغال محدثة أزيزا خفيفا متواصلا ..
بدأت الطّائرة في الإقلاع فالتهمت مدرج الهبوط و بدأ قسمها الأماميّ في الارتفاع شيئا فشيئا و معه كان يحسّ بكميّة إفراز "الأدرينالين" تتكثّف و بالمغص يقوى بين أحشائه في حين كان بقيّة الركّاب مطمئنّين يتشاغلون بتبادل الحديث فيما بينهم أو بالنّظر من حولهم أو بقراءة المجلاّت و الصّحف التي توزّعها شركات الطّيران مجانا و التي رفض محمّد عبد الغفّار أن يأخذها من يد المضيّفة باعتباره غير قادر على قراءتها ..
مرّت أكثر من نصف ساعة و طائرة "الجمبو" العملاقة تخترق السّماء و هو ينظر إلى جناحها المرعب مقارنا إيّاه بما رآه في صورة الطّائرة المرسومة في كتاب القراءة فشكّ أن يكون واضع الرّسم قد ركب طائرة و شكّ كذلك في المعلّم الذي كان يدّعي معرفة كلّ شيء و هو ما خفّف عليه الإحساس بالظّلم الذي ظلّ يتبعه منذ أُطرد من المدرسة دون سبب منطقيّ واحد سوى أنّه كان يرى العالم من خلال ما يعيشه و يحياه لا من خلال الكتب المدرسيّة التي لم يكن يربطها بالواقع شيء ..
مرّت الطّائرة بمطبّات هوائيّة فأخذه الخوف مأخذا عظيما و زادت آلام أمعائه … انطلق صوت أنثويّ رقيق من المضخّم يطمئن الركّاب و يدعوهم إلى وضع أحزمة الأمان إلى حين اجتياز المطبّات باللغة الأنقليزيّة أوّلا ثمّ الفرنسيّة ثمّ الإسبانيّة ..
بالطّبع لم يفهم محمّد عبد الغفّار ما قيل فقد ظلّ يترقّب أن يُتلى نفس الكلام بالعربيّة التي كان يفهمها حتّى و إن لم يكن قادرا على فكّ طلاسمها عند القراءة بسبب تلك الحالة من المغص التي تأخذه كلّما حاول أن يقرأ نصّا إذ كان الأمر يذكّره بالمعلّم و بالامتحانات رغم الزّمن الذي مضى عليه منذ غادر مقاعد المدرسة ..
انصاع كلّ الركّاب للأمر و بادروا بوضع الأحزمة إلاّ محمّد الذي بقي ينظر إلى ما يفعلونه دون أن يتمكّن من الفهم و لكنّه بذكاء التّجاّر و رجال الأعمال فهم أنّه يجب أن يفعل مثلهم فمدّ يده إلى الحزام المشدود إلى كرسيّه مسترقا النّظر إلى الأجنبيّ الجالس بجانبه مقلّدا إيّاه فيما يفعل ..
أحسّ محمّد عبد الغفّار بأمعائه تتلوّى و بمعدته تتقطّع ، تذكّر تلك الحالة التي كانت تأخذه في شكل نوبات كلّما كان يجتاز امتحانا أو كلّما أحسّ بالخوف .. تماسك أو حاول أن يتماسك لكنّه أحسّ بأنّه في حاجة ملحّة لأن يذهب إلى بيت الرّاحة لقضاء حاجة بشريّة كانت أقوى من أن يقاومها .. انتزع الحزام بسرعة و قام يجري نحو مقدّمة الطّائرة مدفوعا بافتراض غير مبرّر و لا معقول بأنّ بيت الرّاحة لا يمكن أن يكون إلاّ في الأمام ..
كان متأكّدا من وجود بيت للرّاحة رغم أنّه فكّر في المسألة قبل أن يصعد إلى الطّائرة و شكّ في الأمر باعتبار عدم وجود قنوات تصريف المياه المستعملة .. فكّر في أنّ الطّائرة مثقوبة أسفل المراحيض و أنّها تسقط الفضلات من السّماء باتجاه الأرض تماما كما تفعل كلّ الطّيور لكنّه استبعد هذا الافتراض لأنّه لم يسمع أبدا عن شخص سقطت على رأسه فضلات آدميّة من السّماء رغم أنّ الطّائرات حوّلتها إلى ما يشبه شبكة الطّرقات .. و حين كثرت عليه الافتراضات فضّل أن يرجئ التّفكير في الأمر إلى ما بعد و أن يترك الأمر الآن لحدسه ..
كان يسرع في الممرّ بين صفوف الكراسي يريد أن يصل إلى الأمام حيث افترض وجود دورات المياه ، و في طريقه التقى بالمضيّفة منحنية على أحد الركّاب و قد سدّت عليه الممرّ ، رفعت رأسها نحوه مبتسمة و سألته بالأنقليزيّة عن حاجته و طبعا لم يفهمها و أحسّ بالأشياء تختلط عليه و بحاجته البشريّة تكاد تندفع من أحشائه .. دفع المضيّفة فسقطت بين أقدامه و جرى نحو الأمام متجاوزا إيّاها ..
صرخت عجوز فرنسيّة و هي تراه يدفع بالمضيّفة بكلّ ذلك العنف فأصيب كلّ الركّاب بالذّهول و هم يتابعونه يجري نحو الأمام و ارتفعت الصّيحات من كل أرجاء الجمبو العملاقة فزاد ذلك من إحساسه بالارتباك و أسرع أكثر نحو الاتّجاه الذي تصوّر أن تكون فيه المراحيض و غاب عن القاعة الكبرى ..
اندفع رجال حماية الطّائرة السريّون في أزيائهم المدنيّة يقتفون أثره و قد اقتنعوا أنّ في الأمر سرّا و أنّ ما جرى في أعلى بنايتيْن أمريكيّتيْن في الشّهر الماضي قد يتكرّر الآن ..
وجد محمّد عبد الغفّار نفسه – و لم يكن وقتها يعلم أنّه أصبح مستهدفا - أمام باب معدنيّ مغلق أمامه مضيّفة و مضيّف يتبادلان الحديث .. لم يعد لديه وقت ليفسّر لهما حاجته أو ما الذي أتى به إلى هناك .. تأكّد أنّه أمام دورة مياه .. دفعهما وفتح الباب بعنف .. و اندفع إلى الدّاخل..
كان في غرفة القيادة .. لمّا رآه الطيّاران أحسّا بالخطر فرفعا يديهما دون مقاومة تذكر .. لم يفهم محمّد شيئا ممّا يحدث أمامه فتراجع إلى الخلف ليبحث عن دورات المياه في مكان آخر لكنّه اصطدم بمجموعة من الرّجال المسلّحين يرفعون في وجهه مسدّساتهم و ينظرون إليه بكلّ حذر .. صرخ في وجهه أحدهم بلغة لم يفهمها، و عوض أن يخاف خجل من أن لا يبقى له الوقت الكافي للوصول إلى دورة المياه .. أراد أن يفهمهم ما جرى فأشار بيده إلى أسفل بطنه .. خاف رجال الحماية من حركته و تصوّروا أنّه سيسحب سلاحه فانقضّوا عليه بسرعة و قيّدوه … ..
حرم الكاتب العظيم ..
أكثر من عشرين سنة ظلّ الأديب الكبير يحكي لزوجته المصون أنّه ينشر رواياته و قصصه في كلّ المجلاّت و الجرائد معتصرا ذهنه و أفكاره .. و كان يغيب عن المنزل أحيانا لفترات طويلة قائلا لها إنّه مدعوّ لتقديم مداخلاته المهمّة في النّدوات الفكريّة و التّظاهرات الثّقافيّة في الخارج ..
و رغم أنّه حين يعود من صولاته تلك لم يكن يحمل لها غير قطع شكولاطة و حلوى موجودة هنا فإنّه كان يقنعها بأنّ العولمة فرضت فتح الأسواق و سهّلت تبادل السّلع فأصبحت الأشياء التي كانت حكرا على الخارج متوفّرة في الأسواق الشّعبيّة و هو ما دعاه لعدم شراء هدايا لها من الخارج ، بل إنّه كثيرا ما أدخل في ذهنها فكرة أنّ رفضه لشراء هدايا من الخارج – حيث كان يلقي محاضراته – مردّه إلى موقفه الوطنيّ القائم على مبدأ " أنا تونسيّ و لا أستهلك غير التونسيّ " الذي يرفض على أساسه أن يدعم غير السّلع الوطنيّة باعتبار أنّ ذلك الفعل مهما كان بسيطا ينمّ عن موقف وطنيّ نضاليّ لا أحد يشكّك في مصداقيّته ، بل هو أساس ازدهار الصّناعة الوطنيّة الذي سيمكّنها من فرص أكبر لمنافسة البضائع الأجنبيّة الضّارية التي تسود الأسواق العالميّة..
كانت المسكينة تشعر بألم في رأسها و طنين في أذنيها و هي تستمع إلى نفس هذا الخطاب الذي يكرّره الأديب الكبير على مسامعها كلّما عاد من الخارج حيث كان يلقي محاضراته التي يترقّبها المختصّون في الأدب بفارغ الصّبر ..
و ذهب في ظنّ زوجة الأديب الكبير أنّها مصابة بالصّداع النّصفيّ قبل أن تلاحظ تلك العلاقة المباشرة بين استماعها لخطاب زوجها و آلام رأسها إذ اكتشفت بالتجربة أنّ تلك المصطلحات المعقّدة كانت تصيبها بأوجاع لا توصف لأنّها كانت رغم محدوديّة معارفها تحاول جاهدة فهمها إرضاء لزوجها ، و هذا الجهد للفهم تحديدا هو ما كان يصيبها بتلك الآلام و الأوجاع ..
لم تدخل المسكينة في حياتها مدرسة و لا قرأت كتابا ، بل إنّها كثيرا ما اشتكت لجاراتها أنّ الدموع تجري في محجريها حالما تتثبّت في أيّ نوع من الكتابة و لو كان الأمر على سبيل التّأمّل ، و مع ذلك كانت تنظر مشدوهة إلى زوجها و تتثبّت في شفتيه و هما تتحرّكان مصدرتيْن جملا غريبة و كلاما يصعب عليها استيعابه و هو يعرض عليها مقالات ملوّنة منشورة في مجلاّت أجنبيّة و جرائد عالميّة و يتحدّث عن فتوحاته في عوالم الأدب و الإبداع شاكيا من غبن أهله له مشيرا دون تصريح إلى مؤامرة تهدف إلى إبعاده عن نيل جائزة نوبل للآداب و إيقاف إشعاعه في الخارج و عدم تمكينه من فرصة أن يكون معروفا في بلاده ..
و رغم عدم قدرتها على قراءة تلك المقالات فقد كانت تبتسم له تشجيعا على مواصلة الكتابة حتّى و إن تأخّر الاعتراف بموهبته التي لا ينكرها إلاّ جاحد أو حسود ..
الشّيء الوحيد الذي كان يحزّ في نفسها و هي تراه يوميّا يغادر المنزل ببذلته الأنيقة هو رفضه القطعيّ و الدّائم لأن يأخذها معه إلى مكتبه في مقرّ وزارة الثّقافة حيث يعمل ..
كانت تتخيّله جالسا في كرسيّ دوّار و أمام مكتبه طاولة فخمة للاجتماعات يجلس هو على رأسها ليستمع الآخرون إلى تجربته العظيمة و هو يأمرهم و ينهاهم باعتبار قيمته الجليلة و نظرا إلى تقديرهم له ..
أمّا هو فكان يتعلّل بأنّه يرفض أن يتداخل الشّخصيّ بالعمل ، و كان يكرّر على مسامعها أنّها زوجته الحبيبة لكنّه يرفض أن تظهر على الصّورة و في الواجهة لأنّ حسّاده سيستعملون ذلك ضدّه و سيتركون البحث في نصوصه للحديث عن علاقته بزوجته و هذا ما لا يرضاه باعتبار أنّ لديه قناعة راسخة مفادها أن لا علاقة بين الشّخصيّ و النصّ ..
طبعا لم تكن الزّوجة المصون تعرف مصطلح " النصّ المغلق " و لم تسمع ببارط و لا جيرار جينات و لا حتّى بجابر عصفور أو توفيق بكّار و مع ذلك كانت تومئ برأسها للكاتب العظيم موافقة إذ كانت تقتنع بسرعة بكلام زوجها لأنّها بكلّ بساطة لم تكن تفهمه و لا تفقه معانيه …
كلّ ذلك لم يمنعها من أن تحسّ بشيء من الألم و هي تخمّن أنّه يرفض أن يراها النّاس معه لأنّها لم تدخل مدرسة و لا تعرف القراءة و الكتابة بالرّغم من إيمانها الدّاخليّ العميق أنّ ذلك أمر مقنع و أنّ للكاتب العظيم الحقّ في أن يتّخذ قراره ذاك ..
بل إنّه كاتب و عظيم حقّا لأنّه أيضا لم يسع أبدا إلى جرح شعورها بأن يذكر لها المبرّر مباشرة بل ظلّ يواريه بين طيّات الكلام المنمّق الجميل حتّى لا يجرح مشاعرها و هو ما كان يزيدها تعلّقا به و بإبداعاته ..
و شيئا فشيئا بدأت تقتنع بضرورة أن تتعلّم الكتابة و القراءة حتّى تكون أهلا لزوج من هذه الطّينة المبدعة و حتّى لا يتحرّج بعد ذلك من حضورها معه في مكتبه بالوزارة أو في النّدوات الأدبيّة حيث يلقي محاضراته المهمّة التي يترقّبها المهتمّون بفراغ صبر ..
و كان من حسن حظّها أن سمعت بعض جاراتها يتحدّثن عن إقامة مركز لتعليم الكبار و محو الأميّة في الحيّ فاتّخذت قرارها بأن تلتحق بالمركز المذكور ، بل أكثر من ذلك قرّرت أن لا تعلن ذلك لزوجها إلاّ بعد أن تتعلّم القراءة و الكتابة حتّى تكون المفاجأة في حجم إبداع زوجها الأديب العظيم و قيمة إبداعه رغم كثرة حسّاده الذين يحاولون بشتّى الطّرق تحجيم حضوره و النّيل من صورته كمبدع له حضوره في المحافل الدّوليّة ..
و لم تمض غير أيّام حتّى التحقت هي بمركز تعليم الكبار و بدأت فعلا في تعلّم القراءة و الكتابة بكلّ سريّة حتّى لا يعلم زوجها بالأمر خاصّة و أنّها قرّرت أنّه لن يعلم بذلك إلاّ بعد أن تصبح قادرة على القراءة على الأقلّ في انتظار تعلّمها للكتابة .. لذلك فضّلت أن تلتحق بالقسم في الصّباح حين يكون هو في العمل أي في مكتبه الفخم بوزارة الثّقافة حتّى لا تضطرّ إلى تبرير غيابها عن المنزل ..
و كان الأمر كذلك و بدأت شيئا فشيئا تفكّ أسرار الحروف و تهتك ستر الجمل و قد أُخذت بهذا العالم الجديد و ندمت على الزّمن الذي قضّته و هي غير قادرة على متابعة حديث زوجها الذي كان يصيبها بآلام الرّأس النصفيّة و يصيب عينيها بحالة من انهمار الدّموع التي لم تكن تعرف لها سببا ..
و لأنّها كانت تحبّ التّعلّم فقد كانت أكثر زميلاتها سرعة في هضم الدّروس ممّا جلب لها انتباه المعلّم الذي أعجب بتشبّثها بالعلم و جدّيّتها في الدّراسة ..
و هكذا في ظرف وجيز لم يتجاوز بضعة أشهر صارت قادرة على قراءة ما يكتب في الظّروف الخارجيّة الموجّهة لزوجها و التي كانت في معظمها تأتيه من وزارة الثقافة ..
كانت تقرأ اسم زوجها و عنوان بيتهما ثمّ تقلب الظّرف لتتهجّى اسم المُرسل و عنوانه … " و.. وزيـــ .. ر … الثّـ .. ثـ .. قـا ..فة .. " كانت عيناها تشعّان و هي تنتهي من القراءة فرحا بتمكّنها من ذلك أوّلا و فرحا بقيمة زوجها لدى السيّد وزير الثّقافة الذي يبدو من خلال كثرة مراسلاته التي تصل إلى زوجها أنّه يرفض أن يتّخذ قرارا دون أن يستشير الأديب العظيم ..
و مع تكاثر المراسلات الآتية من وزير الثّقافة إلى زوجها داخلها بعض الشكّ .. لماذا لا يكلّم حضرة الوزير زوجها مباشرة و الحال أنّ مكتبه الفخم موجود في نفس المبنى ؟ ..
لكنّها سرعان ما كانت تبعد تلك الهواجس السّوداء عن ذهنها و قد وجدت سببا كافيا لذلك و هو أنّ التّقدير و التّبجيل يفرضان أشكالا من التّعامل لا تستطيع هي فهمها ، و هكذا استكانت إلى المبرّر الذي جال بعقلها و أقنعت نفسها به كما اقتنعت بأنّها يجب أن تنهي دراستها و تصبح قادرة على القراءة في أقرب وقت حتّى يفرح زوجها بالمفاجأة السّارّة ..
بعد أشهر من ذلك التّاريخ صارت الزّوجة قادرة على قراءة كلّ ما تجده أمامها من وثائق باستثناء كتابات زوجها التي لم تجد لها أثرا في المنزل و خمّنت أنّه يخفيها في أدراج مكتبه الفخم الموجود قرب مكتب السيّد وزير الثّقافة حتّى لا يسرق صغار الأدباء أفكاره و إبداعاته ..
كانت الزّوجة تنظّف غرفة النّوم و تفكّر .. قرّرت أن تزفّ الخبر لزوجها في اللّيل في إطار احتفاليّ يليق بالحدث .. و بعد طول تقليب للأمر استقرّ رأيها على أن تقيم عشاء فخما على ضوء الشّموع تقوم أثناءه بإعلام زوجها بالخبر السّعيد و هي تريه شهادة تحرّرها من الأميّة و تحوّلها إلى امرأة محترمة تليق بأن يطلق عليها لقب حرم الأديب العظيم و تجيز لها أن تنتقل معه من ندوة إلى أخرى و من تكريم إلى آخر حيث سترى آيات الإعجاب به في عيون الحاضرين و آثار الحسد لها في عيون الحاضرات ..
لا تعرف كم أنفقت من الوقت و هي تتخيّله يقوم من كرسيّه ليقبّلها و قد تدحرجت من عينه دمعة فرح بهذا الإنجاز العظيم و تقدير لتضحياتها طيلة شهور .. ستهوّن عليه الأمر و تقنعه أنّها ما فعلت ذلك إلاّ حبّا فيه .. سيقول لها ، و تقول له .. و سيأخذها من يدها بلطف و يدخلان غرفة النّوم لكي يتعطّل الكلام و تبدأ لغة أخرى تعرفها هي و يعرفها هو ..
أخذتها رعشة و هي تتخيّل المشهد و كأنّها تعيشه و لم تفق إلاّ على صوت دقّ متواصل على باب المنزل يخرجها من ذاك العالم السحريّ إلى الواقع ..
خرجت مسرعة لتجد نفسها أمام ساعي البريد الذي أعلمها بوصول برقيّة جديدة إلى الأديب العظيم .. هذه المرّة لم تسأله عن مصدرها لأنّها صارت قادرة على قراءتها – بل قراءة كلّ ما يكتب - بكلّ يسر ..أخذت الورقة و أمضت على استلامها في المكان الذي أشار إليه السّاعي و عادت مسرعة إلى الدّاخل و هي تتلهّف على قراءة ما جاء فيها حتّى تتمكّن من مفاجأة زوجها على طاولة العشاء المفترض بتلاوة فحواها كيْ يتأكّد بأمّ عينه أنّها حقّا صارت قادرة على فكّ الحروف ..
كانت متفائلة في قرارة نفسها، فرغم كرهها للبرقيّات و ارتباطها في ذهنها بموت أحد الأقارب فإنّ شيئا ما في داخلها جعلها تفترض أنّ هذه البرقيّة بالذّات تحمل بشرى ..
دخلت المطبخ و هي تضع البرقيّة تحت إبطها الذي نتفت شعره منذ يومين فقط .. رمت بقطع اللّحم في إناء وضعته على الموقد ثمّ أسرعت إلى غرفة النّوم لتقرأ ما جاء في البرقيّة ..
تثبّتت في اسم المرسل .. وزير الثّقافة .. ابتهجت خاصّة و قد تأكّد افتراضها بأنّ هذه البرقيّة بالذّات تحمل نبأ سعيدا .. تجاوزت الإطار المخصّص لاسم المرسل و عنوانه إلى الإطار المخصّص لاسم المرسل إليه .. فلان الفلاني .. طبعا اسم زوجها ، لذلك أخذها الفخر و هي تقرأ اسم الأديب العظيم مباشرة بعد اسم حضرة الوزير رغم أنّ القلق القديم عاد ليغزو ذهنها و هي تفكّر في نفس الوقت الذي تقرأ فيه في أسباب إبراق السيّد الوزير إلى زوجها الأديب العظيم و الحال أنّ مكتبيهما الفخمين متجاوران في مبنى الوزارة ..
و مرّة أخرى أقنعت نفسها أنّ ذلك أمر اعتياديّ في نواميس الإدارة و خاصّة بين المسؤولين الكبار الذين يتعاملون فيما بينهم بأشكال و نواميس لا تفهمها هي و عامّة النّاس .. تابعت القراءة ..
إلى السيّد فلان الفلاني ..
عون استقبال بوزارة الثّقافة
" و بعد ، يؤسفني إعلامكم بقرار مجلس التّأديب القاضي بشطبكم من الوظيفة العموميّة بسبب تكرار غيابكم غير المبرّر … "
أحسّت المسكينة بألم حادّ في رأسها و طنين في أذنيها و بالدّموع تتدفّق من محجريها و هي تكتشف حقيقة الأديب العظيم .. و في أرجاء البيت انتشرت رائحة احتراق اللّحم الذي نسيته على الموقد ..
كانوا يفتّشونه و هم يلتفتون إلى بعضهم البعض بسبب الرّائحة الكريهة التي عمّت غرفة القيادة
كان أحمد مشدودا بحبل من رقبته وهو يتدلّى من السّقف بلا شارب يغطّي وجهه و لا بذلة زرقاء تفيد أنّه كان موظّفا في يوم من الأيّام و لا ساق يمشي بها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص قصيرة | السمات:قصص قصيرة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أبريل 17th, 2007 at 17 أبريل 2007 9:49 م
متى سنسافر ثانية ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
مايو 30th, 2007 at 30 مايو 2007 1:00 ص
الجميل ضافر
جميل أن أجدك حتى أطمئن
فبراير 10th, 2008 at 10 فبراير 2008 5:33 م
المرأة تعيش أوهام عالمها المسكون بالخيبة والعجز ، مستفردة منعزلة , مستكينة ملتفة حول ذاتها
• الرجل البطل مزهوّا في عالمه المتخم بالبطولات الذكورية والفتوحات النسائية
• ما هو الحب وما جدواه أو فلسفته وبهجته اذا لم يحضر فيه تكافؤ المشاعر وصدقها المتبادل
• مدونات النساء بوح أم تشخيص لعلاقة عرجاء
• لماذا لا نرى تدوينا لوجدانيات (رجالية) تملؤها اللوع والحسرة والبكاء من هجر الحبيبة والاحساس بالعجز والعزلة..
أرجو زيارة مدونتي والمشاركة في النقاش