
جائزة أفضل ممثلة و أفضل ممثل
| ► | مايو 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | ||||||
| 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
| 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 |
| 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 |
| 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 |
| 30 | 31 | |||||


جائزة أفضل ممثلة و أفضل ممثل
الأشـيــاء… قصص و نصوص
ظافر ناجي
© جميع حقوق الطبعة محفوظة للمؤلّف
مع هذا الذي يقع ، كيف سيصبح العالم ؟
أو بالأحرى ماذا سنصبح نحن ؟
و ماذا ستصبح أشياؤنا الصّغيرة ؟
الأرجح أنّنا نحن سنصير أشياء صغيرة
أو دمى
الـمـؤلّـف
وردة الرّوح
يذكر محمّد بن عبد الغفّار أنّ أقصى أمنياته حين كان صغيرا كانت أن يركب الطّائرة و يحلّق نحو الأعلى و يضيع في السّماء الصّافية الزّرقاء رغم أنّه بعد ذلك بزمن أي حين كبر و خبر الدّنيا عرف أنّ السّماء ليست دائما صافية و لا زرقاء ..
– و كان ذلك منذ زمن بعيد- اكتشف أنّه بقي أمرد و أنّه سيواصل ما بقي من عمره دون شعر شارب و لا لحية ، و رغما على ذلك أخذته رغبة جامحة في أن يعيش ليرى نفسه في الثّلاثين و قد صار موظّفا يلج مكتبه مرتديا بذلة زرقاء داكنة– لم يكن يتصوّر موظّفا يلبس غير ذلك اللّون – و يذهب في نهاية كلّ شهر إلى البنك ليسحب جرايته و يعود ككلّ موظّفي العالم فرحا مسرورا
حين بلغ العاشرة كانت أقصى أمانيه أن يعيش و يستمتع بالعشرين و يرى نفسه في المرآة بشارب كثّ يغطّي أعلى شفته العليا ، و حين وصلها
و مرّة أخرى شاءت الأقدار أن تلبّي نصف أمنيته تلك فقط ، فاجتاز عتبة الثلاثين لكنّه ظلّ أمرد و عاطلا عن العمل و لم يصبح موظّفا و لا هو ذهب في نهاية الشّهر إلى البنك و لا سحب في حياته جراية و لا حتّى لبس بذلة زرقاء ..
و رغم كلّ تلك الإحباطات المتتالية فقد غلبه حبّه للحياة فوجد نفسه رافضا أن يتصوّر أنّه يموت قبل الأربعين سنّ الأنبياء و اعتبر أنّ مسألة الشّارب و الوظيفة و الجراية و البذلة الزّرقاء مسائل ثانويّة مقارنة بالحياة ، و هكذا ، بفعل تكراره لنفس الكلام، صار الحديث في تلك التفاصيل تافها في نظره و وجد نفسه يردّد شعار جدّته – من جهة الوالد – التي توفّيت في العاشرة بعد المائة و التي كانت تكرّر كلّما أحسّت بأحد أعضاء بدنها قد ضمر أو ضعف " الحمد لله على النّفس و هو يدخل و يخرج "..
هكذا وجد أحمد نفسه رافعا شعار جدّته كلّما خابت له أمنية مع أنّه واصل في كلّ عشريّة أن يتمنّى العيش إلى التي بعدها بيْد أنّ الأعوام كانت تمرّ عليه و لم يحقّق شيئا يذكر من أمنياته تلك سوى أنّه في كلّ عام كان يضيف عاما إلى الرّقم الذي صرّح به في السّنة الماضية مجيبا بذلك عن سؤال "كم بلغت من العمر ؟ "
فيما عدا ذلك لا شيء كان يحدث على مرور الأعوام فلا شارب و لا وظيفة و لا جراية و لا بذلة زرقاء أنيقة و لا زوجة و لا أبناء ….
شيء وحيد فقط كان يتغيّر ، هو تلك الشّمعة التي كانت تنضاف مع كلّ عيد ميلاد جديد ، و مسألة عيد الميلاد و الاحتفال به كانت لدى صاحبنا قضيّة حياة أو موت باعتبار ارتباطها بمسألة العمر التي كانت هاجسه الأكبر على امتداد حياته خاصّة و أنّه لم يحقّق من أمانيه سوى تجاوز العام بعد العام و اجتياز العشريّة تلو الأخرى و حلمه الأكبر في ذلك أن يحطّم الرّقم القياسيّ في طول الحياة بين أفراد العائلة الذي كانت تملكه إلى حدّ ذلك الزّمن جدّته من جهة الأب التي عاشت أعوامها المائة و عشرة مردّدة شعارها المشهور " الحمد لله على النّفس و هو يدخل و يخرج ..".
حين بلغ عشريّة السّبعين ، اكتشف أنّ أيْره لم يعد قادرا على الوقوف إجلالا عند مرأى النّساء و مع ذلك لم يقلق أحمد من الأمر و عدّه أمرا عاديّا رغما على التّحوّل الجذريّ في وظائف هذا الجهاز البشريّ العجيب الذي كان على امتداد عديد السّنوات متعدّد الاختصاصات و انتهى في ذاك العمر مكتفيا بوظيفة التّبوّل ..
و رغم أنّ أحمد منذ بلغ الحادية عشرة من عمره عرف للجهاز المذكور وظيفة أخرى فإنّه لم يستعمله في حياته أبدا ذلك الاستعمال الذي يجول الآن في ذهن القارئ سيّء النيّة إلاّ في حالات نادرة جدّا قد نعود إليها إن وجدنا لذلك مبرّرا .. لذلك اعتبر هذا الخلل أمرا عاديّا لا يستوجب وقفة طويلة أو مراجعة الطّبيب ، و في المقابل اكتفى بترديد قولته الشّهيرة عن جدّته العزيزة " الحمد لله على النّفس و هو يدخل و يخرج .. " .
كان يكرّر الشّعار دون اقتناع بل الأرجح أنّه كان يردّده على سبيل مداعبة أفراد العائلة مذكّرا إيّاهم بالجدّة التي توصّلت بقدرة قادر إلى تجاوز إحدى عشرة عشريّة ورفضت أن تموت إلاّ بعد أن تجاوزت القرن …
و لم يكن يعلم أنّه سيصاب بعاهة في ساقيه حين يبلغ المائة عام بالضّبط على إثر حادث مرور جدّ أمام محلّ لبيع المرطّبات كان أحمد خارجا منه حاملا قطعة مرطّبات كبيرة جدّا تليق بعيد ميلاده المائة أو بمائويّته كما ظلّ هو يردّد لاحقا …
كان كبر حجم الكعكة قد حجب رؤيته إضافة إلى بصره الذي ضعف بسبب طول عمره ، لذلك لم يتمكّن من رؤية سيّارة تأتي مسرعة و لم يفق إلاّ و هو في المستشفى ممدّدا على سرير أبيض و إحدى ساقيه معلّقة إلى السّقف في حين كانت الأخرى مبتورة من الرّكبة…
حين فتح عينيه وجد أبناء إخوته و أخواته و الممرّضين و الطّبيب متحلّقين حوله و قد وضعوا على الطّاولة قطعة مرطّبات جديدة غرست عليها مائة شمعة بتمامها و كمالها .. نظر إليهم و إلى قطعة المرطّبات مندهشا و قد استردّ وعيه ، هاله أن يرى ساقه المبتورة فصَمَتَ برهة لكن سرعان ما عاد الصّفاء إلى وجهه و تذكّر أنّ المهمّ بالنّسبة إليه أن يتجاوز الإحدى عشرة عشريّة التي عاشتها جدّته التي ظلّت تبعا لذلك محافظة على الرّقم القياسيّ في طول العمر بين أفراد العائلة فالتفت إلى الطّبيب سائلا إيّاه " هل سأعيش يا دكتور؟ " .
و بالطّبع طمأنه الدّكتور على حياته رغم أنّه أشار إليه بأنّه سيواصل الحياة معاقا و لن يكون قادرا على استعمال ساقيه بعد اليوم … و قد تفهّم أحمد الأمر و تقبّله بقنوط و صبر شديديْن مقنعا نفسه بأنّ المدينة لم تعد تستهويه كي يتجوّل فيها على قدميه مثلما كان يفعل منذ عقود طويلة ..
لذلك ، و رغم التّصريح الخطير للدّكتور فقد ابتسم أحمد و قال كلمته الشّهيرة " الحمد لله على النّفس و هو يدخل و يخرج .." و التفت إلى أفراد عائلته داعيا إيّاهم إلى إشعال الشّموع المائة احتفالا بمزيد من الحياة ..
و تواصلت حياة أحمد لاحقا على امتداد تسع سنوات و ثلاثمائة و أربعة و ستّين يوما و رغم إعاقته فقد ظلّ وفيّا لأمنياته بأن يطول عمره عاما بعد عام ، و كان اليوم الرّابع و الستّون الموافق للثّلاثين من ديسمبر هو اليوم الفاصل …
في اللّيل ، تمدّد أحمد على فراشه و ظلّ يحدّق في الظّلام مفكّرا في حياته التي امتدّت على إحدى عشرة عشريّة بتمامها و كمالها ، فرح في البدء بأنّه تمكّن من اختراق السنوات و العشريّات ، بل تمكّن من تجاوز قرن كامل متسلّحا بالتّمنّي فقط لكن سرعان ما انقبض قلبه و قد تذكّر أنّه لم يدخل في حياته مدرسة كما أنّه عاش حياته بدون شارب كثّ يغطّي أعلى شفته العليا ، و لم يصبح في يوم من الأيّام موظّفا يلج مكتبه مرتديا بذلة زرقاء داكنة و لا هو ذهب في نهاية كلّ شهر إلى البنك ليسحب جرايته و يعود ككلّ موظّفي العالم فرحا مسرورا، و لم يتزوّج و لا هو أنجب أبناء زنى ..
استوى على حافّة الفراش و أنار الغرفة ببصيص الضّوء المنبعث من النوّاسة .. رفع رأسه شيئا فشيئا إلى أن وجد نفسه في مواجهة المرآة ..
نظر إلى رأسه و فكّر ، هل يعقل أنّني لم أدخل مدرسة في حياتي .. ما الذي أفعله بهذا الرّأس الفارغ الذي صحبني طيلة حياتي و لم يكن فيه غير أمنية واحدة تنتابني في نهاية كلّ سنة وهي أن أعيش سنة أخرى .. حتّى الوجه لم ينبت فيه شارب ..
مرّ ببصره نحو الأسفل و توقّف عند صدره فهاله أن ينتهي ضيّقا بهذه الشّاكلة بعد أن كان محسودا على عرضه .. ما معنى هذا الصّدر الذي خلا من كلّ عاطفة و حبّ و لم ينشغل طيلة الإحدى عشرة عشريّة بغير تمنّي مزيد من الحياة ..
تجاوز أحمد الصّدر إلى البطن .. و فكّر .. لم أتلذّذ في حياتي بمذاق شيء غير قطع المرطّبات التي كنت آكلها في أعياد ميلادي ..
تحت البطن بقليل ، جحظت عيناه و قد تذكّر أنّه لم يضاجع امرأة منذ ستّين سنة أي عشر سنوات قبل أن يحتفل بعيد ميلاده السّبعين الذي اكتشف خلاله أنّ ذاك العضو الذي كان من المفترض أن يقوم بوظيفتين قد تعطّلت لديه وظيفة و اقتصر أداؤه على البول ..
حين وصل أحمد إلى هذا الأمر أحسّ بالغثيان و بالحرقة في حلقه و مع ذلك واصل النّظر في المرآة إلى أعضائه ..
نحو الأسفل رأى ساقه المبتورة فتذكّر أنّه منذ عشر سنوات لم يمش و لم يتمكّن من رصد ما يطرأ على المدينة من تغييرات و تحوّلات و ظلّ على امتداد العشريّة الأخيرة مسكونا بهاجس تجاوز الرّقم القياسيّ لطول الحياة في العائلة و الذي سيتحقّق غدا بعد أن يكون أحمد قد فاق جدّته التي توفّيت يوم بلغت المائة و عشر سنوات ..
و من غريب الصّدف أنّه سيتمكّن من الانتصار على جدّته في طول العمر مستعملا في هذه المنافسة الغريبة نفس سلاحها أي شعارها الشّهير" الحمد لله على النّفس و هو يدخل و يخرج ..".
هنا أخذته موجة غضب شديدة ، " هل ظللت طيلة هذه العقود أحيا فقط لأحيا ؟ أيّة حياة هذه ؟ .."
و ظلّ كذلك و قد أخذه الغضب من نفسه كلّ مأخذ، و في الصّباح دخل أبناء أخواته و إخوته و أبناؤهم إلى غرفته فرحين وقد قرّروا تنظيم احتفال هائل بتحطيم خالهم أو عمّهم – بحسب العلاقة – للرّقم القياسيّ في طول العمر ..
حادثة في طائرة ..
يذكر إلى الآن بكلّ التّفاصيل و الجزئيّات صورة أوّل طائرة رآها في كتاب القراءة حين كان يدرس في الأقسام الابتدائيّة بمدرسة معلّقة على جانب الجبل في أحد الأرياف .. كانت تشبه العصفور بجناحيها المفتوحين و شكلها الخارجيّ، لكنّها كانت بلا منقار و لا ريش و مع ذلك كانت تطير ..
يذكر محمّد بن عبد الغفّار أنّ تعجّبه ازداد أكثر و انفتح فوه حين قال المعلّم أنّ حجم الطّائرة قد يكون أكبر من المدرسة و أنّها مصنوعة من الحديد إذ لم يكن أحمد أو أحد من الصّغار الذين درسوا معه قادرا على تصوّر قطعة من الحديد تزن أطنانا تستطيع الإقلاع من الأرض و الطيران بكلّ حريّة في السّماء الزّرقاء الصّافية.. كان يتساءل عن القوّة التي يمكن لها رفع كلّ ذاك الجسم نحو الأعلى …
و كان من المنطقيّ أن يطرد محمّد عبد الغفّار من المدرسة لعدم قدرته على التّجريد إذ لم يكن قادرا على تخيّل الأشياء التي لم يرها ، لذلك لم يصدّق شيئا من كتب القراءة ، و ما دام لم يستطع تصديقها لم يتمكّن من حفظها و تبعا لعدم حفظها رسب في السّنة الثّالثة مرّتين فأطرد من المدرسة و ما زال إلى الآن غير قادر على فهم أسباب طرده فكثيرا ما وجد نفسه يفكّر في ما جرى له في الامتحانات ..
مرّة سأله المعلّم أثناء اجتيازه لامتحان شفويّ في مادّة الوسط الحيّ : " حين نقوم في الصّباح ما هو أوّل شيء يجب أن نقوم به ؟ " ، و طبعا أجابه محمّد إجابات متعدّدة منها أن يشرب كأس حليب و منها أن يلبس ميدعته ليذهب إلى المدرسة و منها أن يسرع إلى قنّ الدّجاج ليجمع البيضات قبل أن ترفسها الدّجاجات .. و مع كلّ إجابة كان المعلّم ينظر إليه باستغراب مستنك


ظــافر ناجي










